Welcome  Guest May 2008


New Page 1
 

أبجديات الصراع العربي - الإسرائيلي

النفط، الحلفاء، والدولار

 

 

كاليفورنيا- نوفمبر 2000

 

لقد بدأت معركة الشرق الأوسط. وكما يصف التاريخ فان صراعاً وحشياً، على شكل تحركات خطيرة ومثيرة، يتشكل الآن، مع توقع الكثير من الضحايا والدمار؛ والحقيقة، والتي دائماً ما تنفخ الروح في المعارك، ولكنها أيضاً دائماً ما تقمع عند السلام، أخذت تظهر الآن. فالجنود يتحركون والقادة يناقشون الأساليب والاستراتيجيات. إن تلك الأحداث والتي تقع في واحد من أكثر الأقاليم فقراً من العالم تذكرنا بالمعارك من أجل البقاء، وتدعم الثقة وتعيد الكبرياء لخمسمائة مليون مسلم يعانون في ذلك الإقليم.

إن المواجهة قد جاءت الآن بعد قرن من الزمان وبعد زوال الاستعمار وانتهاء الشيوعية وبعد عقد من عملية السلام. إن الصراع من أجل الثروة الطبيعية الهائلة ـ ومن أجل الأماكن المقدسة ـ في الركن الجنوبي الغربي من آسيا قد دخلت مرحلتها النهائية وغذتها دماء الآلاف من الشباب العرب الفلسطينيين من الرجال والفتيان والتي كانت هي الحافز لأحداث العنف المروعة.

إن منطق الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والذي تعود أصوله إلى عهد انهيار الإمبراطورية العثمانية بالإضافة إلى إعلان وعد اللورد بلفور المؤيد للصهيونية في عام 1917م، قد بدأت تتكشف معالمه الآن ـ على أنه محاولة يائسة لكنها محسوبة بدقة لفرض سياسة "فرق تسد" للعرب والمسلمين في الشرق الأوسط، وشق واضعاف التزامهم بالإسلام، وفرض سياسة "التغريب" عليهم بكل نفوذها ورموزها، والسيطرة ليس فقط على الاحتياطي الهائل من النفط والغاز بل وحتى على أسعاره وتجارته العالمية. إن هذه المرحلة الأخيرة من الصراع العربي الإسرائيلي الطويل، والذي تدور معاركه الآن في الأراضي المحتلة وغزة بل وحتى في الأراضي الإسرائيلية نفسها، سوف يقدم دعماً لنهضة كل القوى في الشرق الأوسط ولظهور قادة جدد وأجواء عنف جديدة والى خلق ظروف تشجع تجدد الدمار كما تؤدي فيما بعد إلى قيام مؤسسات جديدة وحضارة جديدة.[1]

 

إن الأمة الإسلامية المتجددة ستبدأ في الظهور تدريجياً، كمركز هائل للقوة في العالم، يدعم احتياطي الخليج الضخم من النفط. إن الشهداء الشباب في الهلال الخصيب والمسلحين بالحجارة والأسلحة الخفيفة هم الذين سيكونون البداية لتلك العملية الطويلة والقاسية من البعث الجديد.

 

انهيار الحصن الصليبي

بإعلانها دولة ذات سيادة في 14 مايو من عام 1948م، نجحت إسرائيل ولنحو نصف قرن من الزمان في الظهور بمظهر القوة، والوحدة، وأنها الدولة ـ الأمة التي تسيطر على الأرض المقدسة ولا سبيل لإزالتها، وهي ذلك المخلوق الشجاع والفريد الذي لا يتطرق الشك لقوته ومستقبله. وقد تعزز ذلك الفهم بصورة كبيرة بسبب الأداء القوي لإسرائيل في ميادين الحرب، حيث كان على الجيوش العربية الضخمة، ولعقود من الزمن، أن تتقبل الهزائم والانكسار بشكل متكرر. وبدقة أكثر وعندما بدأت تلك الصورة تتبدل وأخذ الاضمحلال يظهر فان لا أحد حول العالم، وعلى الأخص في إسرائيل نفسها، كان  يرغب في مناقشة ذلك. من جهته استجاب رئيس الوزراء أيهود باراك للرغبة الشعبية المخلصة في وضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان فقام في شهر مايو 2000م ومن جانب واحد بسحب قواته وأسلحتهم الثقيلة إلى ما وراء حدوده الشمالية. ودفع هذا الانسحاب إلى أن يتساءل اليهود في إسرائيل وغيرها عن مدى إخلاصهم للصهيونية. وبدأ اليهود في داخل إسرائيل يتحدثون عن" فقدان إرادة اللاعنف". وهل يستطيع إيمانهم في خلقهم،مع تلك القوة وذلك التوسع ـ ومازالت دولتهم صغيرة ـ كأمة عبرية، ودولة توحدها وتلهمها الديانة اليهودية، أن يترددوا ويحجموا ؟ هناك علامتان تنذران بالسوء لكنهما صحيحتان، تشيران إلى بدء اضمحلال إسرائيل، ذلك الحصن الصليبي في الهلال الخصيب للشرق الوسط. إنها تطورات خطيرة لكنها لم تعد تنكر، وهي تحمل في طياتها الكثير من القلق والخوف وكذلك العنف، لما يطلق عليه عادة بالصراع العربي الإسرائيلي. كلا التطورين سيؤديان لا محالة إلى الثورة والحرب وذلك ما سيدفع بدوره الإسرائيليون إلى البدء في الهجرة وبأعداد كبيرة من إسرائيل:

 

 1/ الانهيار البطئي، ولكنه متصلب، للصهيونية، أو لذلك الأيمان الذي يبلغ من العمر أكثر من قرن، في أن الدولة اليهودية ستوفر الرفاهية والعيش الكريم لليهود وليهود الشتات في أرجاء العالم. إن إسرائيل اليوم في أزمة اقتصادية وسياسية عميقة. إن المعركة تدور الآن في الأراضي المحتلة وهى التي فجرت وزادت من حدة ذلك الانهيار. الكاتب اليهودي الأمريكي المولد والمدافع بعناد عن إسرائيل والصهيونية دانييل بايبز، يسلم في إحدى مقالاته بصحيفة لوس أنجلوس تايمز بأن الروح بين الفلسطينيين، إضافة لمؤيديهم من العرب والمسلمين، تشير الى مرحلة طويلة من العنف لعدد من الأسباب، لكن أهمها أن الفلسطينيين قد أدركوا أن إسرائيل لم تعد هي ذلك البلد القوي. بل هي على النقيض من ذلك بلد ضعيفة ومنهارة ويمكن بسهولة إدخال الرعب عليها بأصغر دائرة من العنف.

إن الحرب الباردة قد أسهمت  بشكل رئيسي في دعم إسرائيل وساندت الإيمان بالفكرة الصهيونية. ومما لاشك فيه أن آلاف الملايين من الدولارات من المساعدات وإمدادات الأسلحة ذات التقنية المتطورة من الولايات المتحدة قد مكنت بدورها اليهود في إسرائيل من تجنب الدخول في اختبار حول مدى إخلاصهم للصهيونية، والتي تمثلت في الانسجام والتناغم بين الساسة البريطانيين والمثقفين من اليهود الأوروبيين ومن النشطاء السياسيين. لقد أدى اقتناع وإيمان المواطنين الإسرائيليين العاديين بقابلية دولتهم للنمو والبقاء، إلى أن يقوموا بدعم ومساندة الدولة بمال وفير من حكومة الولايات المتحدة ومن المانحين من يهود الشتات في أنحاء العالم. إن هذا الإيمان، والمبالغ فيه بصورة دائمة، قد أخذ في الانهيار. إن الجماهير الإسرائيلية وخاصة الشباب، والذين يفهمون الحقيقة جيداً، يطلب منهم تحمل المعاناة والتضحية بلا حدود، وكل ذلك لأسباب مشكوك فيها.

2/ الانهيار البطئي والعنيد للعالم العربي المستعمر، أو لذلك الاعتقاد، الذي يعود لقرن مضى، بفكرة أن الدول وحدودها التي رسمها الأوربيون ستعود بالرفاهية والعيش الكريم لعرب الشرق الأوسط. إن العالم العربي يعيش أزمة اقتصادية وسياسية عميقة. فالمعارك التي تدور الآن في الأراضي المحتلة هي التي فجرت وزادت من حدة ذلك الانهيار. قال لي دبلوماسي عربي، من المهتمين بما يبدو من عدم قدرة العالم العربي على الاندماج في اقتصاد العالم المزدهر "إننا نعلم بأن وضعنا لا يختلف بالضرورة عنا الوضع الذي تواجهه أفريقيا الآن ـ فالدول والحكومات تقوم بخدمة الغرب بدلاً عن شعوبنا ـ وبينما نتفق جميعاً، بصورة خاصة وغير معلنة، مع وجهة نظرك المعقولة فإننا نمتنع عن مناقشة تلك الوقائع القبيحة والمحزنة بصورة علنية. فالكثيرين منا يخشون النقد وتبعات ذلك النقاش".

             إن الحرب الباردة قد دعمت بشكل فعال عدداً من الدول العربية، وساندت الإيمان بفكرة ذلك الخلق الاستعماري الواسع. ومن الواضح مع ذلك أن آلاف الملايين من الدولارات من المساعدات وإمدادات الأسلحة ذات التقنية المتطورة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد مكنت الكثير من الدول العربية على تجنب الدخول في امتحان حول مدى ولاءهم للدول التي صاغها الساسة الأوروبيون في جهودهم من أجل بناء الإمبراطورية. لقد أدى إيمان واقتناع المواطنين العرب العاديين بمدى قابلية دولهم للبقاء والنمو إلى أن يبحثوا عن الدعم المالي الوفير من قبل حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. والآن فان ذلك الإيمان، والذي دائماً ما يبالغ فيه، قد أخذ في الانهيار والسقوط. إن الجماهير العربية، وخاصة الشباب منها، يفهمون تلك الحقيقة جيداً، حيث هم الذين يطلب منهم تحمل المعاناة والتضحية بلا حدود، وكل ذلك لأسباب مشكوك فيها.

 

عالم الخيال والحرب

 

ان تاريخ العالم يعطينا الكثير من الدروس والعبر، لكن إحداها يقف ليذكرنا ليس فقط بأخطائنا بل أيضاً بتفضيلنا الغريب لتدمير النفس في الصراع حول مؤسسات وتعهدات اكثر عقلانية. إن هذا الدرس هو في العقل الواعي للإنسان. وهو يشير إلى حالة من الضعف والتي نعرفها جميعاً على أنها وبائية ومدمرة. وهذه هي حالة الخيال، والتي قد تكون من أكثر مظاهر الحياة الإنسانية أهمية. الناس ينكرون الحقيقة أمام أنفسهم، يتراجعون إلى عالم من الأكاذيب وخداع النفس. إن ما يرفضون قبوله هو بالطبع أمر مؤلم جداً تقبله. إن الإنسان، وبسبب الضغوط النفسية ورعب الحياة، يعمل على بناء تفسيرات خيالية، وكل ذلك باسم الدفاع عن النفس. إن هدوء وقوة العقل الإنساني قد تم تعليق العمل بها. وهذا بالطبع هو واحد من أسباب الحرب. إن اليهود في إسرائيل وفي الشتات قد قاموا وخلال سنين عدة بوضع مجموعة من الخيالات المعقدة، توهموا أنهم لن يقهروا وأنهم متفوقون وأن مصيرهم السيطرة على الأماكن المقدسة. والعرب أنفسهم بنوا بدورهم مجموعة من الخيالات المعقدة، عن بواعث الغرب واستراتيجيته، وعن ضعفهم وانقسامهم، وعن فشلهم في استعادة القوة التي كانوا يتمتعون بها يوماً ما.                                                                             

  إن كل هذا هراء، رغم أنه يخدم هدفاً حقيقياً ـ وهو فقدان الحس. إن اليهود يشجعون صورة سلبية عن العرب، وكأن على العرب أن يتقبلوا ما هم فيه من مأزق ومن بؤس. العرب من ناحيتهم أيضاً يشجعون صوراً لا تحتمل التصديق عن مقدرتهم على العيش في عالم بناه لهم الأوروبيون قبل نحو قرن مضى.

 

انه لموقف محزن ومثير للشفقة وقابل أيضاً للانفجار. أنه وضع غير مستقر، وهناك العديد من الأسباب التي تشير إلى أنه يتجه نحو التدهور وربما بشكل سريع جداً. إن المعركة قد بدأت الآن ـ بين من ليس في مقدورهم الدفاع عن أنفسهم من عرب فلسطين وبين يهود إسرائيل المسلحون بالأسلحة الثقيلة ـ مما يعيد واقع الحياة مرة أخرى إلى المقدمة.

 

وكما عاد الواقع إلى الظهور ثانية بشكل أكثر وحشية وإهانة فان الحرب أصبحت محتملة جداً هذا إذا لم يكن من المتعذر تجنبها. تلك الحرب ستكتشف منطقها وحياتها بنفسها. إن التقنيات والاستراتيجيات ستظهر بشكل تلقائي، للحروب التي ينبغي أن تدار بفهم عميق لحدودها وعقباتها. إن حمى الحرب تنتشر بسرعة وأكثر أسبابها عمقاً هو النفط المصدر الطبيعي والضخم للثروة في الخليج الفارسي. فالنفط هو شريان حياة الاقتصاد الصناعي.           

إن الجماهير العربية المسحوقة فقراً والمحرومة من كل الامتيازات لم تعد تود البقاء معزولة عن هذا الاقتصاد المزدهر. انهم يعلمون بأنهم لا بد من أن يحصلوا على نصيبهم من تلك الرفاهية والسلطة. كما أنهم يعلمون بأن لا بد لهم من المشاركة في هذا النمو السريع للعالم الصناعي.

 

انهم يفهمون الآن بأن عليهم أن يقاتلوا من أجل ذلك الحق. انهم يعرفون بأن القوة ـ والقوة وحدها والمتمثلة في الحرب والعنف ـ هي التي تحترم. هذا هو أساس بناء النفس البشرية. فالتفاوض في غالب الأحيان أمر عديم الجدوى ويصور بأنه هو الحل، كما يصفه أصحاب السلطة والثروة بأنه دواء لعلاج كل الأمراض.

 

إن الصراع من أجل الثروة في الشرق الأوسط قد بدأ. ومن المتوقع أن يكون صعباً وخطيراً. انه صراع يظهر في شكله الأولي على أنه حرب دينية. فالرجال والنساء في العالم الإسلامي يخوضون حرب جهاد لاستعادة كبريائهم وقوتهم وحضارتهم ـ وليدمروا عالماً لم يجلب لهم سوى الأسى والبؤس.

 

وكما هو في كل شأن من شؤون الحياة البشرية فان المعارك تكون معقدة جداً، فهي تمتزج بالخداع، أما البواعث والنوايا الحقيقية من تلك المعارك فهي نادرة الظهور، هذا إذا ما ظهرت. لأنها في الغالب تكون مخفية. إن المعارك التي تدور الآن في منطقة الهلال الخصيب لا تستثنى من هذا. ومع ذلك فان هناك دائماً ظاهرة واضحة وجلية ـ وهي عناصر المعركة ـ وتلك الظاهرة هي التي يجب أن يتم التحقيق بشأنها وتحليلها. فالنفط، والحلفاء، والدولار هي أكثر تلك العناصر أهمية.                                   

 

عناصر المعركة

 

برغم العدد الكبير من الصفحات التي ألفها الباحثون حول الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من عقود من المقالات التي لا تنتهي أعدها الخبراء والصحفيين، ورغماً عن الوصفات المتعددة الغبية والتافهة للساسة الأمريكيين والأوربيين لحل الأزمة، وبالرغم من حملات الأكاذيب والدعاية المتواصلة والمستمرة لمراكز البحوث والدراسات في واشنطن وغيرها من العواصم الغربية فان هناك القليل ـ أو انه حتى لا يوجد ـ من الجهود للشرح باختصار ووضوح لماذا أن هناك 7 مليون فلسطيني ( داخل الأراضي المحتلة إضافة للاجئين من ضحايا الحروب ) ما زالوا يعانون وهم في حالة معيشية مزرية. تلك الحقيقة المحزنة توحي بأن على هؤلاء الناس أن يقبلوا بمصيرهم، فما يوجد بتلك المشكلة التي يعود عمرها لأكثر من قرن من الزمان من تعقيدات هو ببساطة أمر مروع جداً لا يستطيع أكثر الناس رحمة أو معرفة أن يستوعبوه. إن ما يصوره الغرب على أنه لغز هو في الواقع حيلة ماكرة يستطيعون من خلالها الوصول لأهدافهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

 

إن من المؤكد أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي أمر يصعب تحليله، لكن من الممكن شرحه في بضع كلمات وبقليل من الأفكار والمفاهيم.[2]  ويمكن تحقيق ذلك بكفاءة ودقة محكمة عن طريق طرح سلسلة من الأسئلة. فالمعرفة، والتي تتطلب دائماً جهداً لفهمها واستيعابها، يمكن رغم ذلك وضعها في شكل يمكن خشيته وهو ينضح قوة. والمعرفة بهذه الصورة هي سلاح وسلاح مدمر ولذا فان الباحثين قد لفتوا الانتباه للاهتمام بها لفهم العالم.

 

ما هو السبب الرئيسي للصراع العربي ـ الإسرائيلي ؟

 

بينما لم تتم مناقشته أبداً في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى، فان مما لاشك فيه أن التصنيع الذي حدث لاقتصاديات العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد وضع الأساس للصراع العربي ـ الإسرائيلي.  وقد  بدأ الأمريكيون في استخراج النفط لأول مرة في عام 1860 وقد أدركوا بسرعة إن النفط سيكون أداة فعالة في الاقتصاد الصناعي حيث أن التصنيع والاحتراق الداخلي للماكينة يتطلب قدراً هائلاً من الطاقة.

 

بدأ الصراع العربي ـ الإسرائيلي عندما تم اكتشاف النفط لأول مرة في إيران في بواكير القرن العشرين. وقد بدأ عمل أول مصفاة للنفط في إيران عام 1913. وكانت " اللعبة الكبرى "ـ وهو تعبير استخدمه ضابط الجيش البريطاني آرثر كونولي تم إرساله إلى منطقة لآسيا الوسطى في عام 1831  من القاعدة الاستعمارية البريطانية الأمامية في كلكتا بالهند ـ هي سباق كبير للقوى العظمى للسيطرة على الأمم وعلى المواقع الاستراتيجية في العالم. إن اكتشاف النفط ـ وقيمته الكبرى في الاقتصاد الصناعي ـ قد زاد من السباق من أجل السلطة والنفوذ. روسيا وبريطانيا تقاسمتا إيران، وفي هذا الوقت أيقن الخبراء الاستراتيجيين البريطانيين في لندن أن عليهم الاستفادة من كل الوسائل الممكنة لإيجاد موضع قدم لهم في منطقة الخليج الفارسي، حيث الاحتياطي الرئيسي للنفط يقع في مصب  نهري دجلة والفرات.

 

أظهرت الحرب العالمية الأولى بوضوح ودون خطأ لغوي ـ العنف المنظم ـ أن الحرب الميكانيكية، والتي هي بالضرورة قوة الاقتصاد الصناعي الذي يجري تطبيقه على صناعة الحرب المربحة، لن تكون ممكنة دون النفط. ولذا أصبحت بريطانيا مصممة على الفوز بمواقع ثابتة لذلك النفط، وبدأت في تكثيف جهودها للتأثير على جهود دول الشرق الأوسط، والتي تشمل بالطبع إيران. إن الوسائل التي اتبعتها بريطانيا للحصول بواسطتها على موضع قدم في الشرق الأوسط أصبحت بعد قليل واضحة لطموحات الخبراء الاستراتيجيين في لندن. ولعدة عقود من السنين ظل المثقفون اليهود في أوروبا الشرقية وروسيا يتأملون في المأزق الذي يعيشه الشعب اليهودي في أوروبا. أولئك الرجال والذين كانوا يناصرون علناً وجهة النظر الخيالية حول المستقبل، إضافة للاشتراكيين، كانوا يردون بذلك على يأس وقنوط اليهود الأوربيين. إن ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، كان ملحداً، كما كان من المنادين بحماس شديد لابعاد اليهود من أوروبا إلى دولة خاصة بهم. وحمل هرتزل وجهة النظر تلك إلى كل المدن في أوروبا في بدايات عام 1900 ساعياً بالبرهان والحجة للدعوة من أجل الانفصال والعزل العرقي. وقد وجد تعاطفاً في لندن وسط السياسيين البريطانيين البارزين وكبار الماليين اليهود ذوي النفوذ ومن بينهم اللورد ليونيل والتر روتشيلد واللورد آرثر بلفور الذي عمل بشكل مباشر مع اللورد الفريد ملنر والذي كان عضواً بارزاً في حكومة الحرب برئاسة لويد جورج. وهذه هي الطريقة التي كتب بها فيما بعد وعد بلفور المشؤوم. بدون أي مناقشة عامة ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية التي هيأت بذلك فرصة استراتيجية، قام السياسيون البريطانيون باستغلال تلك الفرصة سريعاً وقاموا بصياغة خطة سياسية لتشجيع يهود أوروبا المضطهدين على الاستيطان في أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في الشرق الأوسط، منطقة الهلال الخصيب. وكانت هجرة اليهود إلى فلسطين بطيئة جداً حتى عام 1930، لكن وفي عام 1944 أصبح عدد اليهود يمثل 31% من العدد الكلي للسكان والبالغ 2 مليون نسمة. بدأت أول انتفاضة عربية في عام 1930 واستمرت لسنوات عدة. عمل فلاديمير جابوتينسكي وغيره من المقاتلين الصهاينة عملوا بحماس لضمان سرعة وسلامة الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومع إسرائيل ـ تلك القاعدة العسكرية الأمامية للغرب في الشرق الأوسط ـ قامت الحكومة الأمريكية، والتي ورثت عقب الحرب العالمية الثانية بقايا الإمبراطورية البريطانية بالإضافة إلى سعيها للسيطرة على العالم، بإيجاد الظروف الملائمة والتي تسمح لها بالسيطرة على المنطقة وعلى النفط. إن الوجود العسكري الإسرائيلي قد خلق أزمة ونزاعاً وحقداً وغضباً وكراهية وعنفاً وحرباً. وكانت النتيجة قابلة للتنبوء ومفزعة: فواقعياً لم يكن هناك استثمار أجنبي مباشر في المنطقة يحافظ على صناعة النفط؛ حيث كانت رؤوس الأموال تنقل بشكل متواصل إلى نيويورك وزيورخ ولندن؛ وأخذ ظهور الديكتاتوريات العسكرية يتم بدعم وسند بالسلاح والمال من الغرب؛ وهناك أخيراً النفط الرخيص.

 

إن السبب الرئيسي للصراع العربي أل إسرائيلي ليس هو النزاع على الأرض والماء أو الأماكن المقدسة ـ رغم أهمية تلك الأسباب ـ إنما هو على النفط والقوة غير العادية التي يوفرها. إن النفط والسيطرة العملية عليه وعلى تجارته وعلى تنقيته وعلى أسعاره، هي أسباب اندلاع الصراع في بواكير القرن العشرين واستمرت الأزمة في القرن الحادي والعشرين. إن من المعروف الآن أن الغالبية العظمى من احتياطي النفط في العالم موجود في الشرق الأوسط، كما أن من المحتمل جداً أن هناك من الاحتياطات الكبرى التي تنتظر الاكتشاف لتمنح الاقتصاد العالمي عقوداً أخرى إضافية من الطاقة.

 

قبل قرن مضى وعندما كان النفط يعتبر من أكثر الأشياء قيمة ومرغوباً بشدة ـ كسلعة استراتيجية ـ شهد العالم خلاله اندلاع أكثر الصراعات وحشية وحقداً في تاريخ البشرية. ففي السنوات الأولى من القرن العشرين بدأ أكبر انتقال للثروة من الشرق الأوسط إلى العالم الغربي. وكان الصراع حول ذلك الانتقال للثروة. أرادت الولايات المتحدة أن تمنع وقف ذلك الانتقال. حصل الغربيون على ذلك الكم الهائل من الطاقة من الشرق الأوسط، واستغلوا تلك الطاقة بشكل كامل وبثقة وبحرية كاملة ـ وأستمر ذلك حتى أكتوبر من عام 1973. عندما قام العرب والمسلمون، والذين أقاموا منظمة الأقطار المصدرة للنفط في 1960، عاقدين العزم على تحدي سيطرة الغرب على شريان حياة الاقتصاد الصناعي.

 

لماذا تزداد أزمة الشرق الأوسط الآن حدة، وتتحول إلى معارك صغيرة ضارية بين العرب الفلسطينيين المسلحين بأسلحة خفيفة واليهود المسلحين بأسلحة ثقيلة ؟

  

إن المؤرخين ورجال السياسة ينفرون من الاعتراف بذلك، لكن، الدبلوماسية والسرية والتآمر قد لعبا دوراً كبيراً في التاريخ، وفي العلاقة التي كانت بين الحكومة من جهة والمؤسسات من جهة ثانية أو بين الجماهير، فيما إذا كانت تلك الجماهير متعلمة أو جاهلة. هذه هي الطبيعة الإنسانية. إن الاندفاع نحو السلطة والثروة، نحو المعرفة والفهم، ونحو الانتقام ـ كل الدبلوماسيين من ذوي الخبرة يعرفون أن تلك الصفات تسيطر على السلوك الاجتماعي في الإنسان ذلك الحيوان المعقد. وهذا ما يعطي لحياتنا معنى. لذا فانه وبينما تحصل إسرائيل على 40% من حاجتها المائية من الأراضي المحتلة، حيث هناك الآن حوالي 200 ألف مستوطن إسرائيلي في المناطق المحتلة، وبينما يستمر ذلك الاحتلال العسكري للأراضي، وبينما هناك الملايين من الفلسطينيين لاجئين، وبينما يستمر بناء المستوطنات في الأراضي العربية، وبينما دخل الفلسطينيين صغير ومنكمش، وبينما تزداد النسبة المئوية للسكان الفلسطينيين الذين يعتمدون في معيشتهم على إسرائيل ـ فقد يكون لدينا انطباع بأن ذلك الازدياد في حدة الأزمة يمكن أن يفهم على أنه ثورة وغضب للعرب الفلسطينيين، على ما هم فيه من مأزق وعلى الاحتلال العسكري لأراضيهم بواسطة اليهود الإسرائيليين، والذي يجري تمويله بالطبع ودون قيد أو شرط بواسطة الحكومة الأمريكية.

 

تلك لحقائق المروعة، وما خلفته من كثير من الظلم والكراهية، لا يمكنها أن تشرح جيداً الازدياد الحالي في حدة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. إن ما ينكره الإعلام الغربي والذي هو أمر ينذر بالسوء، هو دور السياسيين والخبراء الإستراتيجيين الأمريكيين في المعركة التي تدور حالياً. إن المذابح التي تلحق بالشباب والأطفال في معارك الشوارع ـ هي نتيجة مباشرة لعدة أحداث في الشؤون الدولية. 
إن من الواضح أن حكومة الولايات المتحدة تواجه خطر فقدانها لتلك الثروات القيمة والحرجة المتمثلة في نفط الشرق الأوسط، والتحالفات العسكرية مع الأوربيين وعرب الخليج وكوريا الجنوبية واليابان، ومكانة الدولار كعملة احتياطية للعالم. وبدون تلك الثروات فان الولايات المتحدة لا تستطيع أن تأمل في المحافظة على ما لديه من سيطرة دولية في القرن الحادي والعشرين، لأنه وبدون تلك السيطرة فان رفاهيتها وثرواتها ستكون في خطر. ويمكن أن تصبح أميركا أقل قوة ووفرة في القرن الجديد. وما هو واضح أيضاً أن هناك ثلاثة تطورات في شؤون العالم ـ وهي نتاج للطبيعة بشكل عام ويتوقع تطورها ـ قد خلقت حالة ينظر إليها الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن على أنها تنذر بالخطر. وقد وصل يأسهم إلى درجة لم يسبق لها مثيل، وأول ضحايا هذا اليأس المتنامي هم الشهداء الصغار من الفلسطينيين. إن أميركا قد استطاعت وخلال الخمس عقود الأخيرة أن تقوم وبفاعلية كبيرة من تنمية ا